الجمعة، 5 أكتوبر 2018

اشتقت اليك


لم تكن الاولى و لن تصبح تلك آخر أحزانك أبدا فقط يبدو الأمر من ظاهره أنك تترصد الأخطاء و أنك تستهوى المزالق ولعاً بها . وكأنك قد جبلت على أن تخطئ أهدافك فقط لأن في الحزن راحة لا بأس بها و لأن للدموع استكانة تعلمها دموعك جيدا حين تمر بها  نسمة صيفية ترفق بها و تكفكف عنها .
أنا مثل باقي البشر ولكن لا أحد منهم يشبهني  ، ولكننا نصبح واحدا حين نشتاق وحين نهوى و حين نفقد وحين نعتاد ، كأن الله أراد لنا الشقاء أحيانا لأن ساعات الفرحة العارمة لا تدوم طويلا لذلك كان لابد لنستشعرها و لتبقى بمذاقها في مداركنا كان لابد أن يسبقها شقاء و يتبعها شقاء .
أخي حيث أنت حيث أشعر بك و حيث لا تراك مقلتاي ولا تلمسك يداي ، أنا رسالتك التي تترصدها طيلة أعوام من الشخص الذي تنتظره منذ مهدك و طفولتك ، لا يهم أسمي ولا يهم عمري لا يهم أي شيء سوا ما سأخبرك اياه ، أنا أعلم عنك كل شئ وكنت بجوارك لا أبرحك أعلم كم خطوة ليلية هائمة وحيدا مشيت و كم قبضة على الجدران  من الخيبة و الخذلان بها هويت ، لقد ظللت مرآتك دوما ، كنت صورتك وصداك ، يهمني فقط أن تعلم بوجودي حولك و مؤازرتي لك مهما طال عمرنا أو قصر و مهما عصف بنا الزمان ونالت منا نوائبه ، كم بكيت لك حين رأيتك تنتحب من الخيبة والخذلان ، كم دعيت الله لك ليرفع عنك ما ألم بك و أرهق روحك . أخي و أنا أحملك اليوم على عاتقي و أسير بك الى مثواك ، لتعلم أني أودعتك شيئا من روحي فاحفظه أما عني فليعينني الله على ما ثقل ما أودعتني و عظيم ما تحمل ذكراي ، أخي وصديقي و حبيبي أشتقت اليك هذا كل ما في الأمر .....

السبت، 21 يوليو 2018

قصاصة عبر الأزمان


ثمة رسائل لابد لها أن تحترق و قصائد لابد أن تلتهمها النيران . ليست أيامنا التي قضيناها الا كصفحات كتاب غطته الأتربة و أكسبته بعضا من رمادية التيه . يتخلل الزمن خلال شق الخوف كأفعى تتصيد فأرا 

في ظلام الأحراش . حينها تصبح أنت عدوك الأوحد و ينسرب الحب منك و تنصرف عنك معانيه ، تمسك قلما و تأتي بورقة و تنهال عليها بحروف لا تعلم عنها الا أنها حروف حروف يخطها خاطرك، وترسمها أصابعك . أكره المفترق أكره الاختيار ورغم هذا أكره الانقياد و أهفو إلى كل ما يجعلني حرا إلى كل ما يرجعني عصفورا كما كنت أنا في عالمي الآخر. أحب الصباح يذكرني كما أنا حي الآن كم أنا اتنفس و أكره فيه استدامته و صرامة مواعيده كجلاد يحمل السوط فوق جياع يحلمون بلقمة عيش و ثوب جديد . أحب المساء يلفتني الى مزيد من الخيال و يحملني إلى شيء من الاطمئنان و أكره فيه غموضه و دموعه و قصائده التي لا تكتمل و وحيه الذي ينقطع عن حاملي عبء الرسالة الرسالة التي لم تقرأها صاحبتها بعد .
أسمع في المساء جدي يتأوه أو يقرأ القرآن . وفي الصباح أسير في جنازة جدي و أدفن جدي و أتلمس قبر جدي . أتناول مع جدي الفطور في الصباح و أشاهد معه نشرة الأخبار وفي المساء أتسامر مع جدي وأشرب مع جدي الشاي و في الصباح أسير في جنازة جدي و أدفن جدي و أتلمس قبر جدي . وان أردت الحقيقة فأنا لم أقو أن أهيل على جثة جدي ولو حفنة من تراب .  .ليتك الان معي فقد كنت كقصيدتي التي أتأملها حين يعجزني لساني عن وصف ما يضيق بيه صدري و ينأى يه كتماني 

السبت، 16 ديسمبر 2017

سيناريو السأم

واحد .. اثنان... ثلاثه ، يكتمل العد حتى ينتهي ولا يلبث حتى يعاد ، ملل لا يصدق ولا يوصف ، هاتوا لي بورقة وقلم لاكتب لكم السيناريو المعتاد لكل ما سيحدث ، سيناريو واحد تمخض عن الاف السيناريوهات الرمادية المتشابهه .
حياة شعواء تهوى  التقلب ، تسير الامور على ما يرام  الى ان تسكن اليها و تعطيها شيء من الأمان ،  ذلك القدر صياد ماهر  يتسلل يتوارى يتأني يقطب يكتم يزفر يصوب فيصيب  .. الركون الانتظار الاستمرارية الاعتياديه التعود التاقلم ، كم امقت تلك المصطلحات الملعونه تفرض نفسها بسطوة المعتدي على كل ما يعتريك من  حزن او فرح، خير او شر .
مللت "ماذا " الاستفاهميه الفضوليه لم تعد تثر فضولي  ، اخبرني عن  "متى" الزمن ، و"كيف" الخلاص والفرار او الاحتمال ،   و"لماذا" كل  هذا القلق و "أين " لك من هذا الصبر .
رغم كل  عاتيات الدهر  الا انها اصبحت معتادة طيعة التجاوز في خضم السجال ، وتبقى ما تخلفه في القلب من ذكرى لاذعة عصية الزوال . ويبقى لطف الله  وحده هو سلواك الوحيد للعيش.

الاثنين، 4 ديسمبر 2017

ثراء عابر

يجلس في غرفة مكتبه ذلك الوثير ، أثاث فخم ينم عن ذوق رفيع ، و رائحة عطر أصيلة يكتنفها دخان التبغ في  جو معبق بارد بفعل هواء المكيف .
طلاء المكتب يبعث راحة في النفس والعين  ، كل شئ تم انتقاؤه باحكام ، فقط تلك الشهادات المتراصة على الحائط قد أكسبت الرائي مزيجا من الشعور بالحيرة و عدم الواقعية ، ما قيمة شهادة علمية لرجل اعمال ثري مثل هذا !
اضجع على الكرسي في كسل تام  بعد ان خلع حذاءه  باسطا قدميه على الكرسي المقابل ،  يحدق في سقف المكتب قرابة الساعة ..
تناول هاتف السكرتارية الذي لم يتوقف عن الرن و الازعاج ،  وفي هدوء وبرود تامين حرصا  على مزاجه الصافي  " ألم أخبرك يا حيوانه ألا تزعجيني ، فانا أبرم صفقات  الان أهم منك و ممن يريدون مقابلتي "
- عذرا سيدي " سامح "ولكن مندوبة  شركة  الطلمبات بالخارج لا تكف عن طلب الدخول لرؤيتك .
- أخبريها اني قد انتحرت ، قد دهسني قطار أو أخبريها اني قد وظفت للعمل سكرتيره حمقاء و  غير مهنية،  كل ما يشغل بالها أن تنقع وجهها الدميم في طشت من المساحيق و كريمات التفتيح صبيحة كل يوم عمل .
ثم يصعق سماعة الهاتف في أذنها..
تمر نحو نصف دقيقة ، يعيد هو الاتصال بالسكرتيرة و في نبرة يكسوها بعض الفضول
- أرسلي لي صورتها على  "الواتساب " لأتفحص الأمر
يفتح الصوره ، يدقق في الوجه ، يتملق مميلا  برأسه يمينا ويسارا  يتمتم  " حسنا لا بأس بها  "
-    -اسمحي لها بالدخول
ينفتح الباب على وقع  نقرات كعب حذائها  ، لم يبد أي اهتمام بل قد أدار لها ظهر الكرسي المتحرك لينظر الى النافذه
-  -عذرا استاذ سامح للازعاج ولكن...
يقاطعها " تفضلي بالجلوس ، فأنا لم أسمح لك بالكلام بعد "
-   -  تعلمين يا أستاذه .. عذرا ما اسمك ؟
- -ميادة اسمي ميادة يا فندم
-   -تعلمين يا أستاذه ميادة ، كم عانيت وتكبدت كي أصل الى ما أنا عليه الآن ، الثراء حلم كبير ،  فالكثير من الذكاء مع كثير من العمل أعدك انك ستري شيئا بالغد ، لكن أتعلمين شيئا ، لا تصدقي  شيئا من هذا الهراء أنا أفتش عن مواضيع حوار لا أكثر .
ثم يستدير بالكرسي "  فلنتحدث في صلب العمل  قليلا ، عيناك قاتلة الجمال ، لماذا ترتدين تلك العوينات البغيضة ، انزعيها كي نعمل بشئ  من الحماس "
ثم يتوقف كل شئ ، مئات من الأظافر  حوله  تنغزه في كتفيه و بلهجة تنبيه وتحذير
" سامح .. سامح  استيقظ الدكتور يا سامح الدكتور  "
-        البشمهندس اللي نايم ورا ، مفيش مهندس ناجح بينام في الحاضره يا حبيبي
-        -لكن رجال الأعمال يفعلون يا دكتور









الثلاثاء، 28 نوفمبر 2017

محمد رضا

لا تستطيع ان تتبين فداحة الخسارة لانك لم تذق طعم الانتصار قط وحدهم الشهداء فعلوا
اتساءل هل صارت الارض عفنة ونجسة الى ذلك الحد ، لدرجة أن أدرك الاطهار منا ذلك فجادوا على الارض بعبق دماءهم و ارواحهم الزكية كي يمنحونا صلاحية اطول للعيش
ان الدوام لله وهم منه واليه ، لقد عاشوا قدر ما كتب لهم وماتوا عندما كتب لنا ان نعيش - نحن- امواتا ، ان العيون التي لا تبصر أحمر الدم كيف لها ان تبصر أخضر النعيم على ارضكم السوداء ، ان الأنف التي لا تميز قدسية الدم كيف لها ان تستنشق الورود التي قُطفت قبل اوانها فذبلت لها باقي النواضر اليانعة و تراخت رثاءً لها الأفرع المتصلبة .
لله كيف يحق لنا العيش بعد ان ذهب أفاضلنا و انتصر فينا العجز على الحياء ، أتعجب كيف لم نمت خجلا من أنفسنا الى ذلك الحين ، تتجدد الذكرى لتذكي جذوة الغضب الذي لم يترجم بعد ، لتعلمنا كيف نبغض كل تفاصيل ذلك الوطن القاسي ، لتربي فينا التبلد و اليأس و كأنها تقهقه ساخرة منا " كم أنتم حمقى وكم أنتم ضعفاء "
ها هي الأيام تتوالى شيئا فشيئا و رغم عظم الخبر الا أنه بات يندثر ، و يتوارى الا في قلوب من عاشوه ، الى أن تحين تلك اللحظة التي سيفرض فيها الحق كلمته و يلتمع سيف الفصل في سماء طالما غرقت في ظلام الظلم و الآلام ، حينها فقط سيعلم الجميع فداحة الخسارة و طعم الانتصار .
تستطيع وقتها أن تنجب طفلا لا تخاف عليه من رصاصة طائشة ، تراقبه يكبر أمامك وتكبر معه أحلامه ، تراقب انفراج بسماته و انفجار ضحكاته و بكائه حين يهم بالبكاء ، بامكانك أن تراه يشب و ينتصب جذعه و يتفتح عقله ليكتشف حبه للهندسة ، اتركه لا تخاف عليه من رصاصة طائشة تستقر بين أضلعه .
في عالم موازِ ، تخرج في كلية الهندسة ذلك الشاب الذي على الجدران ، ربما كنت لتاقبله في هيئة التجنيد في طابور دام ساعات و الشمس تتكبد السماء ، تطلب منه شربة ماء فيعطيك الزجاجه كاملة قائلا لك " احتفظ بها أنا لا أريدها " ، ربما صادفك الحظ لتكون ضمن كتيبته في الجيش ربما كان ليحمل ذات السلاح الذي قتل به ، ولكنه رحيم بقاتله كان ليعطيه شربة ماء .
ربما كان سينال الاعفاء من الخدمة العسكرية لسبب ما ، منها أن الشهداء لا يحق لهم حمل السلاح أو ارتداء الميري .
والدته تلك تعلم جيدا أنه في مكان أفضل لذلك فضلا منك - لا تخبرها بذلك ، أخبرها أن "محمد رضا " ذللك الفتى حيُ هنا في قلوب من عرفوه ، فدماؤه هو ومن سبقوه ومن خلفوه لم تجف في عروقنا بعد .

الأحد، 26 نوفمبر 2017

الكاتب التعس

ها أنت أيها الكاتب التعس  ،قد خانتك الخواطر و هجرتك الذكرى  ، فلا قصة تحكيها ،  و لا بشرى بحلول فكرة ، ليلتك تلك القاتمه و حدها شاهدك الوحيد على أن الفراغ الذي بداخلك  من الممكن أن يزدحم ببعض مما لا تعرفه .
يحاول أن يكون رومانسيا حالما ولكن سرعان ما يفشل فور اكتشافه أن سقف الغرفة قد حال بينه وبين السماء . يعبث في أدراجه فيرى ما لا يرضيه ، وجد بداية جيدة  لقصيدة لم يكملها  و لربما كان سيكملها القارىء في قرارة نفسه و شعوره  ، وردة ذابلة أبى أن يُفقدها آخر فرص الوجود ، قصاصات طال بها العمر تصارع من أجل البقاء بعيدا عن صندوق القمامة لتبعث في ذكراه شيئا ما .
 صمتك أشبه بصمت الركاب في الحافلة ، صمت الجنازات ، صمت الطلاب في انتظار النتائج ،  صمت بائع الجرائد في ليلة قارصة البرودة بعد أن فقد الأمل في بيع المزيد ، صمت طبيب  حذر ،  صمت عائشة عند حادثة الافك ، صمت  العذراء " يا مريم لقد جئت شئيا بغيا  "  ، صمت من طال حديثه فمل  عن الكلام ، صمت من تيقن أن الكلام بات  لا يجدي نفعا ولا يشتري خبزا ولا يحل أزمة ولا ينتقم لمظلوم ، صمت من علق أمانيه على الكلام فخذله الكلام ، كوامن ما  بداخلك  لا طاقة للكلام  بحملها فاستقرت بثقلها مكانها  خائرة لا تقوى على الخروج  ، صمت من يخفي الكثير ويخاف أن يزل لسانه فيهتك ستر  سرائره  ، أ لا تلقي خطابا على جموع من ورق  ، يا لزعامتك الحمقاء ، ألن يسمعك أحد !!
خرج عن صمته  ليطلب مني  ورقة بيضاء وعلى رأسها كتب :
"تبا للكلام اذا استمعت تعاطفا و اذا رددت  تفلسفا و اذا اتهمت تعسفا  ، هذا أنا بكم و بدونكم "
.








الأحد، 27 أغسطس 2017

و كأنها النهاية - قصة قصيره -

-        - والآن سأخبرك قصة لا تعرفها  خلف تلك الصوره 
-         -أنا متحمس جدا يا أمي فلتبدأي حالا..
-" خرج  سعيد متسللاً  كعادته في مثل ذلك اليوم من السنة ، سابقا كان  ايمانه بالبدايات قد وصل الى حد اليقين بها فعلى منوالها تجرى بقية الأحداث و على ذات نهجها يتلاعب بنا العمر ككرة مطاطية لا تسأم الدحرجة و لا يضيرها التلاقف . أربعون بداية مختلفة ، و ما زال حائرا  ،  فقبل اليوم المنكود  كان ينتظر السنه تلو السنه تحرقا لبداية أفضل من التي مضت .
عُرف سعيد دوما بخفته وانطلاقه واقباله على الحياة ، يعشق الموسيقى يألفها فألفته
عندما قرر وهو في العشرين من عمره أن يغير مساره و يلتحق بمعهد الموسيقى غير آبه بتوجيهات والديه وتعنتهما  ،  قرار لم يكن بالهين بالنسبة له ولكنه كان حتمي كحتمية الموت ، من يومها فقد وهب نفسه للموسيقى ينفق عليها ساعات من يومه في التدريب و من جيبه  في تلك الحصص الاضافيه ، صار يتصدق على الموسيقى  فتغدق  هي عليه  سخية بالألحان  .
اليوم يكمل عامه الأربعين  ،  وفيي قلبه نار لا تخبو جذوتها و لا يصمت حسيسها ، تلفح أنفاسه وتنال منه منذ يوم النكبة كما يسميه ، صار منكودا حزينا ، لم يكن بذلك الرجل الذي تعصف به النكبات فتكسره و تثنيه ، ولكن هناك مصائب لا نقوى عليها نحن بنو آدم ، تشكك ايمانه بالله صار يناديه ليلا ونهارا ، طالما انت حولي و بصحبتي فلما لا تنظر الى حالي و تخرجني مما أنا فيه ، أنت واسع الحيلة و أنا مصيبتي كبيرة كبيرة جدا ويبكي في جنح كل ليلة ،و على وسادته قبل كل نوم تجوب الألحان في نواحي عقله فيحلق معاها الى ان يخلد هاربا من واقعه المرير الذي  ألم به.
في مثل ذلك اليوم من السنة ماضية وقبل وقوع تلك النكبة ، قد قرر الاحتفال  كعادته ببداية يرجوها مختلفه تؤذن بعام قد يكون أفضل من سابقه  . أخذ كمانه و توجه الى كورنيش النيل وفي تمام الثانية عشر صباحا  ، أغمض عينيه و سحب زفيرا طويلا و أراح كمانه على كتفه ومال عليه بصدغه يحتضنه ويطمئن اليه ثم التقط العصا بيمناه و بانسيابية شديدة بدأ رحلته أمام أسماع الناس و أنظارهم ، يشعر دوما حين يهم بالعزف بانقطاع  عن عالمه الخارجي  سابحا في أطياف عوالم أخرى تحويه و تيقظ خيالاته ،  يعزف متمايلا كموجة حائرة على شاطئ بحر  هائج ، يحاول ترويض العصا الى لحنه  ولكنها تشطح  منه الى لحن أرق و أعذب ، فيتبعها و يؤمن بها ، تجمع حوله الناس واصطفوا متأملين ساهمين ، غريبة هي الموسيقى تسكن الطباع و تروض النفوس و تفك جبين قطبه الزمان ، وترسم ابتسامة على وجه تغضن من طول العبوس ،  يستمر في العزف غير آبه بمن حوله تائها في أكوانه، فلحن يلمس ذكرى أول حب و أول لقاء و آخر ينكأ جراح أول فراق  ، ولحن  يذكره بأمه و ضمتها له ولحن ثائر يثور عليه  ، وهو بين هذا وذاك يعيش نصف حياة ويموت نصف موت . حتى أفاق على تصفيق العامة الشديد الراكب منهم والراجل  ، فتح عينيه  فيتهيأون له كملائكة بيض الوجوه  يشرئبون بأعناقهم له  و هو يرتقي بروحه نحو نعيم لطالما انتظره .
اليوم ينتظر الثانية عشر أيضا متسللا من شقته  متثاقلا  متأبطا كمانه دون عصاه ، ينظر الى يمناه ويبكيها ، يوم النكبه الذي حل عليه منذ خمسة أشهر أحال بينه وبين المزيد ، و كأن القدر ذاك متزمتُ يبغض الجمال ، يستل سيفه ليبتر الألحان من قلوب عاشقيها ،  بُترت ذراع سعيد اليمنى في حادثة على الصحراوي ومن يومها لم يذق للدنيا طعم غير مرارتها المعهودة . توجه الى ذات المكان على الكورنيش بعد  مشي دون هدي  دام ساعتين ،  نظر الى كمانه و أسهب و كأنه يحدثه أو يلومه على ما ليس له ، يترقرق الدمع فيي عينيه ثم يجثم على ركبتيه  حتى يلامس صدره فخذيه ثم يجهش بالبكاء .
يعجب المارة لحاله ولا يستوقفهم ، الى أن أقبلت  صبية مهرعةً اليه    في مقتبل عمرها تحمل على ظهرها شيئ ما  ، تنحني اليه  بتلقائية و تعدل من جلسته و تسنده الى السور الحديدي . ثم تلتقط  عصاها من حقيبة الكمان التي على ظهرها ، وهو لايفعل شيئ غير  الاسهاب والحملقة فيها ، تعدل من هيأتها ومن فستانها و تنتصب بجزعها وتلتقط الكمان .
أخذ يببكي ويبكي ويبكي ، ويهز رأسه لها بأن  " لا تتوقفي " ثم يبتسم ويبتسم  وهي في تألقها و تمايلها كالحور عين ،  فيتبعها و يؤمن بها  ، تجمع حولها الناس واصطفوا متأملين ساهمين ، غريبة هي الموسيقى تسكن الطباع و تروض النفوس و تفك جبين قطبه الزمان ، وترسم ابتسامة على وجه تغضن من طول العبوس  . "
ثم تصفيق  يدوي من المارة الراكب منهم والراجل ، وهم يتوجهون بأنظارهم نحوه لا نحوها يصفقون له لا لها  . تنتهي من عزفها فتنحني اليه وتحتضنه وتغالب دمعا ينساب منها  " هون عليك يا أبي ، كم أنا فخورة بك "    "
-        -- أكملي يا أمي ثم ماذا
-         --كم أنا فخوره به حقا وهو الآن  عند  ربه ، تمعن في الصوره  ، جدك ذلك الباسم ذو اليد الواحده  ينحني اليه رئيس النمسا تمجيدا له ،  لم تتوقف مسيرته و وأنشأ تلك الأكاديمية لتعليم الموسيقى في النمسا  ونال بها صيتا واسعا  و أنا الان أُدرس  فيها بفضل منه.