الخميس، 19 يناير 2017

حول فهم الذات البشرية

المقدمة :
منذ فترة ليست بالبعيدة ، كنت دوما على غير توافق مع المصطلحات العائمة  و الكلمات المبهمة تلك التي تصور الذات البشرية كقالب جامد يخضع للقوانين و المعادلات الرياضية ، نشأت في عالم يحمل من التناقضات ما يكفي لقصم ظهر كل من خطر بباله- فيلسوفا كان أو مفكرا أو حتى شخصا عاديا  - أن يبحث في جعاب المفردات و مخازن الكلمات عن تعريف صريح يختزل فيها معنى واضح للعقل البشري ، لو توصلنا حقا لمخططات و دراسات في ادارة الذات  ، فلنأتي بها الآن و نبرمج عقول العالمين عليها ليصير العالم أكثر أمنا و أنفع أثرا و أكرم خلقا .
ربما لو سار البشر أجمعين على نفس الوتيرة لما تقدمنا خطوه ، لصارت نسخه واحده كافيه من مليارات أناس متشابهين ، خلقنا الله بأفكار متابينه و بصائر متعدده خلق فينا الضعف لنشعر بنقاط القوة ، خلق فينا الظالم لنتعطش للعدل ونشعر بكينونته ، نظمأ فندرك أن للماء وجود و هو أصلنا ومنبتنا . نتعرقل ونتخبط فتصحو عزائمنا و تشتعل فينا المثابرة  و الاصرار فندرك أننا بشر قادرون على تغيير مصائرنا وتحديد وجهتنا ،أفكر فتقودني خواطري أن لهذا خلق آدم وحواء ، أهو حب التجربة والمخاطرة الذي دفعهما الى الشجرة ، أم أنها فطرة جبلنا عليها أن نرتقي ونتطلع ونسود.
ان الذات البشرية غاية في التعقيد ، والعقل البشري سلسلة متراكبة من الشفرات و الألغاز . وربما اذا سعى الانسان الى فهم ذاته التف حول نفسه و تعرقلت خطاه الى مزيد من المصائد و الخبايا التي لابد ألا  يسدل عنها إزاراها ،  ولكن لا بد أن يسعى الانسان الى فهمها ليتحقق من  تناقضاتها فيستوبعها و يبني عليها قراراته ، ولا بد ان يحترس من بعض الحقائق التي  يجب أن تستر فلو عرفناها عن أنفسنا أصابنا الهلع  و ربما أغشي علينا اذا علمنا قدر معرفتنا الحقيقة و مدى جهلنا الوافر  .
       لذا رأيت أنه لكي نتخذ أسلوبا فعالا في ادراة ذواتنا لابد لأن من أن ندرك جوانب النقص فيها ونتفهمها ،  ومن منطلق الأمانة فقد اعتمدت في معظم مايلي على أفكار  دكتور – على الوردي - الباحث والمفكر العراقي ، محاولة  متواضعة مني لايضاح ما يجب إيضاحه .

 ( القوقعه البشرية ) :
·      من طبائع الانسان التي خلق عليه أنه يرى في نفسه الأفضلية والتفوق عن أمثاله وقرائنه من البشر ، لذلك تجد التعصب صفة مميزة للكثيرين فكل مننا الى قليلين يتعصب لآرائه و معتقداته و ويجد فيها الحل الأمثل و يدعي جهلا أنها هي الحقيقة المجرده المطلقة  ، ولكن اذا نظرنا بعين الحياد و حكمنا عقولنا و انتزعنا من أنفسنا العقد النفسية التي تودي بنا الى مشارف التنازع الأعمى والهلاك المميت ، لرأينا أن جميع الحقائق الكونية  ما هي الا فرضيات نسبية  افترضناها لنعالج مشاكلنا و نقيل بها عثراتنا .
·      حين ننظر مثلا لمجتمع مثل مجتمع النحل نجد أن كل عنصر فيه يقوم بواظئفه من غير تذمر أو احتاج ، فلا ملكة خائفة على عرشها  وتسعى الى حمايته ، الجميع يتحرك بأعمال شبه غريزيه ، فهو نظام ممل لا يغير من الحالة ولا يسعى الى تطوير .
·      أما المجتمع البشري منذ بدء الخليقة في تطور مستمر فعناصر البشريه  هنا لا تخدم مجتمعها بدافع الغريزة بل من منطلق شعورها بالأفضلية وبدافع  اثبات الذات و المقابل المادي ، فهو مأخوذ بحب الظهور و التفاخر .               
·         الانسان بطبيعته أناني كما ذكرنا يعيش في قوقعته و لا يرى الحقيقة الا من خلال قوقعته المحصنه  .
·      لذا نتساءل ما هي حدود الثقافة التي ربما تكون قادرة على وهب الانسان شيئا من التنوير والحيادية لتجعله قادرا على الحكم على قدراته دون مغالاة في محاسنها متوهما أنه الأفضل من بين الجميع .
·      فكل طائفة تعتقد ان ثقافتها هي المطلقة وان معاييرها هي المعايير الثابته  التي يفصل بها الحق عن الباطل ، مثلا ، فالطفل الذي ينشأ في مجتمع عنتري يرى القوة مقياسا لمكانة المرء ففتولة العضلات و حجم السواعد وانفراج الصدر وتصلب الجزع    هي شغله الشاغل  ، من العسير على ذلك المجتمع أن يقدر للعلم مكانة أو أن ينال الباحث أو المفكر فيه من الحظوة الاجتماعية و التقدير ما يستحق .
·      لذا فكلما زادت خبراته واتصاله بالناس وتوالت عليه التجارب المرة صار قريبا من الحقيقة الواقعيه في نظرته الى نفسه ، ولكنه لن يصل اليها وصولا تاما متأثرا بواقعه و الاطار الاجتماعي الذي نشأ فيه ووطنه على مبادئ التفكير .
·      يقول الدكتور – علي الوردي – أن تلك القوقعه البشريه تكون في أوجها وشدتها في سن الطفوله المبكره حين يرى الطفل الدنيا بعين لذاته و عواطفه فالجميل المطلق في نظره جميل لديه لأنه محبب اليه تستسيغه نفسه و تميل اليه ، يرى نفسه محور الكون فاذا غاب من المدرسة يوما ظن أنها ستقفل أبوابها و أن أحدا لن يذهب اليها . يرى الكون انعكاسا لمشاعره ورغباته
·      يكبر الانسان وتبقى تلك القوقعه في أعماق نفسه ، فتراه حين يكون سعيدا ان يرى الكون كله سعيد ويقول " لا داعي للحزن ، اضحك تضحك لك الدنيا " و اذا أصابه هم أرقه و قض مضجعه رأي الكون كله كئيبا فاذا ضحك أحدهم قال له " لماذا تضحك الآن ، فالضحك من دون سبب قلة آدب " .
مهزلة العقل البشري :
·      كما أشرنا من قبل فالانسان شديد التأثر بمحيطه الاجتماعي الذي يرسم له أفكاره وقناعاته ، فمن العسير عليك و غير منصف منك أن تطلب من رجل نشأ في مجتمع بدائي فقير أن يقدم لك كتابا فلسفيا كفلسفة نيشته أو فرويد مثلا .
·      ان المفكرين القدماء ظلموا أنفسهم حين انكبوا  وانكفئوا على كتب القدماء يتدارسونها ويكبون ما فيها داخل رؤسهم ، ثم حين تأتي فكرة جديدة على طاولة العرض يرفضونها ويهاجمونها ظنا منهم أن ما اعتادوه وما ورثوه هو الصحيح ، تمام كما فعلت قريش مع دعوة محمد -  صلى الله عليه وسلم -  قالوا " هذا ما وجدنا عليه آبائنا " .
·      ان العقل البشري لا يفكر الا استنادا على معلومات ومقاييس سابقة ، ومن العسير أن يفكر أو أن يتصور شيئا ليس له مثيلا في خبراته النظريه أو الحياتيه
·      فإنك حين تشرح شئيا ما لزميل فلابد أن تأتي بتشبيهات من واقعه النظري و من خبراته ، هكذا يصعب على المرء أن يتصور طبيعة الله عز وجل أو طبيعة الملائكة و الجن لأنه لا يوجد لهم مثيل في واقعه وخبراته .
·      فالذي يريد أن يطبق قوانينا الأرض على العالم الآخر مثلا ، أو يطبق قوانين الزمان والمكان على مرحلة ما بعد الموت ، مثله مثل اللعبة التي تتصور خطئا أن صانعها يتحرك بزنبرك هو الآخر .
التنازع صفة بشرية :
·      التنازع صفة أساسية في الانسان ، وهامة جدا في خلق التطور و التقدم الحضاري.
·      فبالرغم من الدمار التي خلفته الحروب العالمية ، الا انها كانت وثبة هائلة في صناعة الأسلحة وتطور غير مسبوق في اكتشافات الكمياء الخاصه بصناعة الأدوية و العلاج  .
·      يصف صموئيل بتلر الحياة كالخيط والسكين فالخيط يربط الناس ببعضهم و السكين يقطع ذلك الخيط .
·      ان التنازع  و التعاون هما متلازمتان في حياة البشر ، اذا لا تقوم قائمه لدولة لا وجود فيها لاختلاف الآراء و المذاهب  يكون التنازع فيها بناء حول طرق تحقيق أفضل النتائج  للارتقاء بالأوطان ، الكل يتعاون حول مصلحة واحده هي مصلحة الوطن .



سياسة تقبل الآخر :
·      نحتاج جميعًا لخلق التواصل البناء بيننا وبين من حولنا، حتى ننعم بالهدوء والراحة النفسية فى تعاملاتنا مع الآخرين.. ، هناك عدة مبادئ لتحقيق التواصل الفعال مع الآخرين وأولها احترام وتقبل الآخرين كما هم.

·      أننا لن نستطيع أن نتحكم فى طريقة تربية الآخرين أو البيئة التى نشئوا بها، وهى من العوامل المؤثرة على سلوك الإنسان، لذا علينا أن نتقبل الآخرين كماهم.

·       إن  إدراكنا ليس بالضرورة هو الحقيقة، فالإدراك هو تعبير عن ما يدور بداخلك، ففى بعض الأحيان نستيقظ ونحن نشعر بالتفاؤل، فى حين نجد فى يوم آخر أننا نشعر بالحزن بدون سبب، والذى تغير هو إدراكنا للأمور، فعند اختلافى فى وجهة نظر مع شخصا ما، كل ما على إدراكه هو حقيقة اختلاف الإدراك بينى وبينه.

·      من المهم أن يُقدم الانسان على أفضل الاختيارات المتاحة له، لذا عليك أن تسامح نفسك وتتذكر إدراكك المختلف للأمور و أيضا للموارد المتاحة فى هذه اللحظة.





الأربعاء، 18 يناير 2017

الكتابة حق لمن ؟

ليست الكتابة حكرا على أصحاب الأعمدة الصحفية وليست ملكا لمن يرغبون الشهرة والصيت ، إن الكتابة حق لكل من يمتلك ورقة وقلم ، كل من ضاقت به نفسه فراح يشكي للورق همه و يأتي بما تنوء به جوانجه ، ربما يرتجل مقالا  أو بيت شعر تستشعر فيها   صدقا غير مسبوق

نتعرض في حياتنا لضغوط نفسية ومشاكل وحيرة وشك وفرح وحزن ، كثير من المشاعر المتضاربة تزدحم بها ذواتنا ، منا من يفضل الكتمان و المكوث أمام مشاعره بلا حراك ، ومنا من يرى في الإفضاء بعض السكون النفسي وبعض المشاركة الوجدانية من قريب أو عزيز عليه
لقد أجفلنا حق الورق علينا ، لا أظن أنك ستجد صديق أشد اكتمانا من ورقة بيضاء ، يشي بياضها و نعومة طبقاتها الى صدق سريرتها و نقاءها ، تلك الحالة أظنها حالة من الارتقاء النفسي لإخراج كل ما هو سلبي فتراه ينطبع على الأوراق ايجابيا هادفا ، لابد من أن كلماتنا تلك التي تدور بأذهاننا بعضها من الذهب أو من معدن نفيس ، يقول دكتور علاء الأسواني في رواية شيكاجو " الشهره ليست مقياسا لنجاح الأديب . هناك أدباء مشهورون بلا قيمه وأدباء عظام لا يعرفهم الناس ، انني أكتب لأن لدي ما يجب أن أقوله .. وما يهمني ليس الشهره وانما التقدير .. أن يصل ما أكتب الى عدد من الناس حتى لو كان قليلا ليغير أفكارهم و أحاسيسهم "

أقسم أنك أرجح عقلا و أصوب قلما ممن كتب مقالات عبثية  عن تفاهات حصد بها آلاف مرات النشر و الاعجاب ، و هذه مشكلة العوام أيضا ممن يشهرون الحمقى ، فأمام كل أحمق يشتهر و يتصدر الشاشات ، آلاف من المواهب تدفن و تندثر ،  تظنها أزمة ثقافة ، أو أن العقل الجمعي بحاجة الى مزيد من الارتقاء و التنزه ، صحيح ، فأنا أعلم الكثير من أصحاب المواهب الكتابية  همشوا الكتابة جانبا فقد فقدوا  حلم الشهرة و الوصول

أظن أيضا أن تلك المشكلة قد خلفت بين جمهور القراء المثقفين أزمة من الثقة ، فعباس العقاد الذي كان يفتخر بأنه كان يقرأ كل كتاب يقع بين يديه ، أظن أنه لو ظل حياً بيننا الآن لما كان فخورا بتلك النقطة على الاطلاق . صرت لا أثق في أي كتاب أقبل على قرائته ، لابد من التحريات بدئاً بحصد الآراء من أصدقائي الذين تروقني أذواقهم القرائية ، مرورا بنبذة عن الكاتب و تفصيلا مفصلا للمقدمة ما تحتويه ، وانتهاءا بالقراءه باحتراس للكلمات حتى يطمئن القلب بما تحوي السطور

فبقدر حاجاتنا الى الكتابة كوسيلة تعبيرية و إفضائية ، بقدر حاجتنا الى جرعات أدبية و معرفية  تستحق إفناء ساعات القراءة و التدقيق ، نفتقد كتابا كمصطفى محمود و محمد الغزالي ورضوى عاشور و بنت الشاطئ وغسان كنفاني و أنيس منصور ، كتاب يؤمنون بحرارة الكلمات و وقعها على النفوس و بصمتها في العقول . 
أتمنى أن نحسن الذوق العام و أن نرتقي قدر الامكان ، و أتمنى أن أري بين دور النشر و مجتمع الناشرين من يقدم يد العون لجمهور من الكتاب الناشئين المبدعين ، فمن المحزن أن يصبح الأمر تجاريا بحتا .
 فاذا وضعنا معايير سمو الهدف و صدق المحتوى في المنشورات سنقدم لجمهور القراء قيما فنية تضيف الى عقولهم الكثير. 




ظمأ القلوب

أتعلم حين تصل الى نقطة لا ترى منها نهاية و لا قبلها بداية ، متخبط قليلا ، الخوف يملأ قلبك ، صارت الخطى هي أثقل القرارات و أمضها .
لماذا صرت هشا الى تلك الدرجة ، و أنت الذي كنت تظن بنفسك حساسية مفرطة تجاه ما يقلب مزاجك و يعكر من صفوك ، أنت فاقد القدرة الآن أن تعرف ما الذي حل بك و على الأقل ماذا تريد من نفسك أو حتى من الناس .
ربما هي نزعة طفولية قليلا أنك تود أن ترى في الكون انعكاسات كآباتك و مرآة لمزاجك ، و لكنه  من الاجحاف أيضا أن تظن بنفسك  خفاشا يستطيع أن يسهر الليل دون أنيس  ، أو تظن أنك راهب قادر على اعتزال الناس . 
أنت تروح و تجئ وتشارك وتخالط  الناس..
..و حين تجلس في الغرفة وتطفئ الأنوار ، ثمة شئ ناقص تفتقده ،  جزء ما في داخلك لم يصل له بشر حتى المقربين اليك.
..
قالوا ان افتقادك لشئ هو أكبر دليل على أنه موجود حقا ، له كيان في مكان ما ، ظمؤك جوعك ، تهم بالبحث عن ماء وطعام  وماذا عن ظمأ وجوع القلوب ، ثمة قلوب تتضور من فرط الجوع ما السبيل لاطعامها ، وأي طعام تستسيغه و أي طعام ستلفظه .
ربما الهرب أحيانا هو سيد الموقف و الحكمة و الرجحان ، هناك أمور لو واجهتها لن تستطيع التصدي إزاءها ، ستحاول نعم 
ولكن ستسنفذ ، ستعتصرك عصرا . 
أشكال الهرب كثيرة سيدي ، ستتجنب الجلوس منفردا ،ولا تحاول الحديث الى نفسك ، اذا شعرت أن شئ  بداخلك سينغص اهرب منه لا تدعه يحيطك أو يحتويك ، اذا شعرت بذلك الظمأ الذي كنا سنتحدث عنه ، لا ينفعك الماء و لن يطيل بك الخمر مفعولا . 
تراني أنصحك الان و أطيل الحديث عن المشكلة وأنا وأنت نعرف الحل ..
ولكن أتعلم أذكر مرة أنني حزنت كثيرا ، فبحثت عمن لا أحتاج كثيرا أن أوصف له ما بداخلي حتى يشعر بي ، نعم يا صديقي هو طبيب ولكن من نوع خاص جدا ، دون عيادة و دون- روشته-  ودون أن تتحدث كثيرا و دون خوف من أن ينصفك التوفيق في التعبير و استدعاء اللفظ المناسب  أو لا ينصفك . 
ثمن الكشف متواضع جدا يا صديقي 
حين تجلس في الغرفة وتطفئ الأنوار ، ثمة شئ ناقص تفتقده ،  جزء ما في داخلك لم يصل له بشر حتى المقربين اليك .. 
فقط ستضم سيف يدك  اليمنى إلى سيف يدك اليسرى وتبسط الكفين الى السماء وتبكي في حضرة الله .

الأحد، 15 يناير 2017

قصاصة حرية


-ثم ماذا بعد يا جدي ...أكمل 
 = لا شئ بعد يا صغيري فقط كان المشهد بعيدا علينا منذ أمد ، حين أدركنا أخيرا أن القوة في الترابط و التكتل ، وأن انقسام الفصائل وانفراد الدعاوي و انطلاق حجج التبرئة والتخوين لا يعود على الوطن الا بفقد الثمين 
اقترب الجموع وقتها يا صغيري،  هم ألف أو ألفان أو ثلاثة ولكنهم كانوا يملأون الأفق ، يحجبون عن مصر الشمس ليقوموا بدورها في إشعاع نور البصائر في محو ظلمة الأوطان و جلاء عتمة الجهل و مرارة الخوف .

وحيدا رأيته

يجلس على قارعة الطريق  في ساعة متأخرة بعد منتصف الليل ، برودة الجو تضيف الى أطرافه شئ  من التخبط لا يقل عن ذلك الذي يدور  في رأسه ، ينكمش على نفسه وببطء شديد يخرج من جيبه علبة السجائر ليتلقط لفافة يضمها بين شفتيه ويشعلها ، ينفث أول الأنفاس ويقول بصوت مسموع " ولكنها أيضا كانت غبية ، كانت تطيل الحديث وتضحك كالمجنونة و تشتعل غضبا فتحس أن القيامة تقوم  كل أفعالها لا تخلو من المغالاة و المزايدة "
يطيل سحب النفس التالي تلك المرة وينفثه ببطء ويتبع حديثه  المسموع الى نفسه " ولكنها كانت تحبني ، أعادت الى حياتي معناها الذي غاب عني ، قادت لي هويتي التي فقدتها في صراعات الحياة وتقلباتها الشعواء ، علمتني أن أضحك رغم أنني صاحب النكات ، و فقدت أحزاني معها ذلك الطابع اللاذع دائم الأثر "
ثم ينفث نفسا آخر وينظر الى السماء فاذا بنجم ساطع يلمع في عتمة السماء وقتامتها ، يقول " كانت كالنجم الساطع "
ثم ينفث مجددا " كانت كالنجم الساطع "
" كانت كالنجم الساطع "
ويكررها ويسحب الأنفاس
ثم توقف ، لم تنتهي سجائره بل تلاشى النجم بحلول الصباح . 

خذ الحكمة من أفواه من يأتون ويختفون

لا أهتم بسرد مجريات يومي كثيرا وبالتالي لن أفرض عليك قراءتها ولكن بعض أحداث اليوم غيرت نظرتي لأمور شتى فلتقرأها ربما أود أن أتكلم وربما تشاركني رغبتي بأن تسمعني .
-لا أعلم كثيرا عن تلك المفارقات أو السيناريو غير المتوقع ، ربما لأن الحياة برتابتها نوعا صارت عقيمة ، ولم يكن لي سابقات كُثر أو خبرات تستحق السرد في استخلاص العبر و أو استنباط الحكم الالهية .
ربما ترجع بعد يوم منهك يوم شاق في الكلية كما حدث معي اليوم ،مزاجي سئ نوعا ، سيناريو بقية يومي- المفترض بأنه عطلة اسبوع – تريد أن تكافئ نفسك بالترويح عنها لكن لا خطط لا شئ وربما كان ذلك سبب في ضيقك ، إضافة أنك لم تنل من النوم غير ساعتين ، فكونك تعلم أنك فور دخولك بيتك سيلتهمك شبح النوم ، فقط ستضيع عطلة الأسبوع سدا ، شئ كفيل لازعاجك .
لا زلت في طريقئ عائدا ومتكئا برأسي على مقدمة الكرسي أمامي فأغط في غفوة لا أعلم كم طالت ولكنني استيقظت على بداية  شجار ، رجل ضخم الجثة يبدو  في الأربعين من عمره  يجلس جواري يظهر من هيئته و صلابة ملامحه و  جمجمته أنه ريفي بطئ الفهم ساذج يختلق شجار لايعلم لماذا بدأه مع شخص في طرقة الأتوبيس ، حاولت التفريق بينهما تتشابك الأيدي و يرتفع السباب لسبب تافه ، يتركون الحافلة يكملون الشجار  في الشارع وأقسم أنهم لا يغلمون لماذا يفعلون .
منذ فترة ليست بالقريبة أصابني إحباط من كل ما هو مصري ، نوبة لأ أعلم هل هي  من كره الوطن أم هو زهد فيه ، أتعجب كثيرا من سرعة اشتعال الناس و كأنهم يتصيدون لبعض زلة لينفجروا ليخرجوا كبت دواخلهم و وضيق  ما يحملون ، أين الرحمة أتساءل نطلبها من حكامنا و نفقدها فيما بيننا .
لا زلت في طريقي للبيت ، وليس في ذهني أي فكرة عن تلك المفارقات أو المصادفات التي  قد تعصف باليوم فتغير مجراه ، أو تخلق فيه أحداث متتابعه يسلم بعضها الاخر في عشوائية منمقة ، فيقود القدر خطاك فتخطها قدماك ، فيقود القدر بصرك فتشهد عيناك .
ربما كان الحدث تافه ولكنه كان يعني لي الكثير تذكرة الحفلة التي تسعى لاقتناءها بعد نفاذ التذاكر ها هي الان ، رسالة من شخص لا تعرفه من فيسبوك ينشر معي تذكره فائضة من يريدها ، أنا ، هذا كل مافي الأمر ، هذا ما حركني من بيتي قبل الحفلة سريع الخطى أهفو لفن راقي ، ثوري النزعة ، لفرقة قائدها فنان  متواضع وهادف يسير على درب الشيخ امام . لا أعلم كيف تصطفى جمهورك ليكون بكل ذلك التحضر ، نوع آخر من الجمهور ،تشم فيهم رائحة أقارب شهداء  أو أصدقاء شهداء أو ربما شهداء لم يستشهدوا بعد.
و اذا بالوطن الذي كنت ألعنه صباحا في الحافلة ، يقشعر بدني ليلا حين يتغنى الجمع بأهازيج مدحه و نغمات رثاءه ، شعرت وقتها بأنني أنتمي لهؤلاء أنتمي للمكان الذي جمعني بهم ،  أنتمي لمن ماتوا فنغني لهم طرباً ،وتدمع أعيننا لهم رثاءً ، أدركت أن الخير في هؤلاء وفي أصلابهم .
واذا بالحفلة تنتهي وقد انتشيت، أتوجه للمنزل ، أركب الحافلة ، أتحرك من آخرها لأولها لأدفع الأجرة للسائق مبدلا مقعدي في عشوائية تامة  لأجلس  وعلى يساري من الصف الاخر للمقاعد رجل في الخمسين من عمره متواضع الثياب أو مهرتل الهيئة ، يبدو من حديثه حين هم في الحديث أنه محدود الثقافة ، ربما هي مصادفة ليفتح معي أول مايفتح عن واقي الركبة الذي يرتديه لعيبة الكرة و سائقو الدرجات ، أسمع له  أبادله الحديث ،يختم موضوعه هذا  بدعوة " ربنا يقوي ركبك يا ابني " لماذا تلك الدعوة تماما ،لابد أنني لم أذكر له عن ألم ركبتي المفاجئ الذي يصاحبني أكثر من عام ونصف الى الان.
 يسألني عن دراستي ، لأجده يعلم الكلية ومواد القسم خاصتي بل يمليها هو علي  " خدت ماتريل السنه اللي فاتت و Theory of machines وماذا عن وصفية اعدادي نسيتها ؟ شكلك نسيتها . مين كان بيدرسهالك  " يقترب مكان نزولي يتحرق فضولي لمعرفة من هذا الرجل ليعرف كل هذا ، ربما سوء تقدير مني بسبب هيئته وبساطة حاله وصعوبة نطقه لأسماء المواد ، من أنت يا حاج قد اقترب مكان نزولي    "I am production Mechanical Engineer "
لم أصدقه ولو أعادها الاف المرات ليس تصديقا أعمى لحدسي و تقديري ،بل لا اعلم لماذا ،
 يسلم علي ويقبلني ويقول آخر جملة لي لن أنساها حتى يوم التخرج " شد حيلك ومتتعقدش من الكلية "
تركت الحافلة مشدوها لم أنطق معه ببنت شفة و ساقني القدر لمقعد بجواره بعد أن كنت في اخر السيارة ، يحدثني عن أمور تؤرقني وهي محور تفكيري ، بدءا بركبتي التي لايبرحها الألم عجز عن تشخيصه الأطباء ، وانتهاء بالكلية التي هي محور تفكيري وانشغلي وكآباتي تلك الأيام .
ربما هي أفكار عديدة  تجعلني الى الان سعيدا ، أولها احساسي و كأن هذا رسول من عند الله متجسدا لم يره غيري يرسل لي رسالة من عند الله ويرحل ، لماذا أنا ولماذا هذا الحديث لقد كان صامتا مع باقي الجمع في الحافلة ، ربما أراد الله أن يربت على كتفي و يمنحني سلوانا و صبرا ، ويلفت فكري الى أن ذلك الكون حقا لا ضمانات فيه ربما يتبدل كل شئ في لحظة ربما يسوق لك القدر فرجاً أو سلوانا ،ربما تتأتي الأحداث تباعا متتالية فتحس بأنك عشت آلاف اللحظات في وقت قصير ، يعلمني أنني لا أرى من غير زاوية واحدة من صورة الأوطان ومن جوانب الانسان .

الفكرة الأخرى التي تسعدني أنني أعلم أن لن يهتم أحد ليكمل قراءة ما كتبت لاخره ، وربما أسعد أكثر لو اكتشفت أن أحد قد غلبه الفضول . 

الحب العذري

أن تحب شخص وهو لا يدري .......
أن تسهر الليل تتذكر محاسنه ، وتتجلى أمام عينيك نظراته ، وتسمع صدى كلماته يسري في أذنيك ......
أن تترقب نظره خاطفه منه يكون لها وقع الماء للظمئان .......
أن تتمنى أن تحدثه وتذهب اليه وحين ما تحن لك الفرصه ، يختلج صدرك ، ويضطرب قلبك ، ويتلعثم لسانك بالكلام .....
حينما تزداد قوة الجاذبيه الأرضيه لرؤيه حبيبك فتتسمر مكانك لا تستطيع الحراك ......
ذلك الشعور الذي يتعاظم ويتفاقم في قلب الحبيب بمرور الأيام التي يعيشها محبوبه دون أن يشعر بذلك العذاب و تلك اللذه
وقت نظن فيه أن أحبائنا ملائكه يمشون بين البشر على تلك الأرض ، ذلك الزمن الذي نكون فيه صادقين بعاطفتنا ، نبذل فيه التضحيات من أجل حبنا ، لا نألو جهدا في سبيله ، ولا ندخر ساعه فيه...
 مثل ذلك الحب العذري الأفلاطوني الذي يحتوي الحبيب ويعذبه في منأي عن الحقائق بعيدا كل البعد عن الواقع ، فالعاشق يري معشوقه كا ملا صحيحا ، جميل الطباع لا يتصور أنه سيأتي يوم سيقسو هو عليه ، ولا يدور في مخيلته أنه سيأتي يوما سيبادله معشوقه الهويه ، وسيكون هو الجاني ومعشوقه ضحيه ..
 عندما يصل الحب في قلبك أنك تخاف مصارحته حتى لا يصدمك رأيه خوفا من خسارتك إياه
أن تفضل العيش في عذاب الكتمان وأن يطفي نار ولعك نظره تختلسها منه ، أهون عيك من خساره حتى تلك النظرات.....
حب جميل خامد في ظاهره  ، مشتعل أليم في باطنه .....
يأخذك الى أعلى القمم ، و من الممكن أن يهوي بك إلى أدنى السفوح ....
فهو حب غريزي لم تلطخه بعد نوازع الطمع والأنانيه والغلظه والقساوه ، ينزف فيه الحبيب كتمانا ، ويدفع ثمنه الاما ....
هو أن تنتوي مصارحته بما فاضت به طيات صدرك وتحدد لذلك الميعاد والمكان ... وتفاجئ بنفسك ينما تجد نفسك تخوض في مواضيع أخري غير ما كنت تنتوي أن تبوح وتفضي به .....
وفي الحقيقه إن الحب من طرف واحد أشبه بشمعه يزداد نورها الصادر عنها كلما حاوطتها بكفيك
 هكذا فعل الحبيب العاشق فهو يحوط شمعة حبه فيزداد نورها في قلبه ويدوم اشتعالها الدافئ
أما اذا فكر بمصارحة حبيبه فهو يعرض شمعة حبه اما لاشتعال يدوم ويزداد ، واما لانطفاء بفعل الصدمه والخساره
أتمنى لو أذهب بكل جوارحي لكل برئ خدعه ذلك الوهم السرمدي ،أزعق في وجهه و أهزه هزا صارخا في وجهه كفاك ظلما لنفسك . الحب  حالة  نعيشها و تغمرنا ، ليس بصورة على حائط عريق نمضي الوقت في الاعجاب بجاذبيتها و اطلالها .

لا تخجلوا من مشاعركم التي جبلتم وفطرتم عليها ، امضوا في التجارب بقلوبكم لا بعيونكم و تصلبكم خلف أبواب الخوف ومصارع اللحظات . العمر قصير قصير جدا اذا علمتم ...